جاء رمضان.. فليبدأ التغيير الإيجابي

ramadan-3384043_1280إنَّ الحديث عن التغيير أصبح كثيرًا وفي أحيان كثيرة مملًا للأسف, ذلك أن كثيرًا من الناس عندما يستمعون إلى محاضرات أو دورات حول التغيير يحاولون أن يخطوا خطوات باتجاه التغيير، ويبدؤون أول الطريق، لكنهم سرعان ما يتعثرون وينكصون على أعقابهم…. وأسباب هذا النكوص كثيرة ليس هذا مجال بسطها هنا، لكني أريد أن أتحدث عن:

الأسباب التي تجعلنا نتحفز للتغيير بدءًا من شهر رمضان المبارك:
* في شهر رمضان يلتزم المسلم بتغيير بعض عاداته كالأكل مثلًا.. وتتغير عادة نومه!! كما أن كثيرًا من المسلمين يلزم نفسه بأمور (إيجابية) كان بعيدًا عنها كقيام الليل.. بل ربما يطول القيام كما يحصل في العشر الأواخر. كما يعكف كثير من الناس على القرآن الكريم قراءةً وحفظًا وتدبرًا.. وتكثر الصدقات وألوان البر الأخرى.. والتغيير الإيجابي يحتاج لإلزام النفس بالجد والعمل الطويل (أحيانًا) والخروج عن المألوف والروتين اليومي الذي يعيش فيه كثير من الناس… وها هنا فائدة أخرى أيضًا وهي أنه في رمضان يكثر العمل وتتعدد أوجه الخير؛ فما بين صيام وقراءة قرآن وصدقة وإطعام محتاج وزكاة فطر ودعاء وقيام ليل.. الخ, ومن أراد أن يغير حياته فليبحث بجد عن الأعمال التي تناسبه لأن كثيرًا من الناس – للأسف الشديد – بلغ من العمر مبلغًا وهو لم يكتشف طاقاته! ولم يعرف المجال الذي يستطيع أن يبدع فيه! والقاعدة أن كلًا ميسر لما خلق له كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.
* كما أن المسلم يلزم نفسه في رمضان بتغيير بعض عاداته السيئة.. فهو يجتنب كثرة الأكل، ويبتعد عن القيل والقال بلا فائدة، بل لا يرد على مسيء (فليقل إني امرؤ صائم), ويبتعد عن النظر الحرام ولا يتأخر في صلاة ولا يدخن ولا…. الخ.. والتغيير الإيجابي يحتاج إلى مجاهدة النفس وكسر بعض ما تعودت عليه من الكسل والخمول والعادات السيئة الأخرى.
(إن من لوازم التغيير أن يغير الإنسان عاداته اليومية من أكل وشرب ونوم وخلافه, والبارزون في الحياة لا تجدهم يملؤون معداتهم بأنواع الطعام والشراب, بل إن كثرة الأكل وامتلاء المعدة به مثقلة للجسد عن الحركة مشغلة للعقل عن التفكير مشتتة للقلب, فالمعدة متى امتلأت لم يجد القلب مجالًا للتأمل والتفكير).
* التغيير يحتاج لمحفزات, وفي أحيان كثيرة يحتاج المرء إلى من يأخذ بيده ويتغير معه.. وفي رمضان تتوفر هذه الميزة بنجاح؛ فالكون كله يتغير في رمضان وليس المسلمون من البشر فقط.. فأبواب الجنة تفتح في رمضان.. وأبواب النيران تغلق.. وتفتح أبواب السماء.. والنفس مقبلة على العبادة (إما راغبة أو مرغمة), بل حتى إن الله يغير الأجور ويضاعفها لعباده في رمضان، ومن أمثلة ذلك العمرة في رمضان التي تساوي حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم.
* في رمضان ينتظم وقت المسلم انتظامًا دقيقًا.. بل يحصل من المجاهدة الشيءُ الكبير في سبيل المحافظة على الوقت.. فالإمساك يبدأ مع أول جملة ينطقها المؤذن ولا يمكن أن يتأخر المسلم في الأكل والشرب بعد أن يسمع الأذان الثاني.. وكذلك ينتهي الإمساك مع أول تكبيرة  ينطق بها المؤذن لصلاة المغرب… ويلتزم الصائمون جميعًا.. بل يتسابقون لينالوا خيرية التعجيل في إنهاء الصيام… إن تنظيم أوقات الصيام للصائم لا شك أنه محفز لمن يريد أن يبدأ مسيرة التغيير.. فمن شروط التغيير المهمة الالتزام بالوقت.. فمن المهم أن تلزم نفسك في كل عمل تؤديه بوقت تبدأ فيه ووقت تنهيه.
* في رمضان يكون العمل – كما سبق ذكره – ويكون نتاج هذا العمل ظاهرًا كذلك, وهذا من أكبر المحفزات التي تعجل بتغيير الإنسان لحياته ونفسه, فما أجمل أن ترى نتاج أعمالك وقطاف ثمارك أمامك, مع ما يدخره الله للعبد من ثواب في الآخرة.. إن الصائم وضع لنفسه هدفًا بالليل أن يصوم اليوم التالي ويمسك عن الأكل والشرب وسائر المفطِّرات ولغو الحديث وسيِّئ العمل ثم يجاهد نفسه على ترك القبيح وفعل كل جميل حتى يحين وقت المغرب, وحين يفطر الصائم تصيبه إحدى الفرحتين بإتمام عمله وثبوت الأجر بإذن الله تعالى.. وتبقى الفرحة الأخرى يوم يلقى ربه..ويتكرر هذا على مدار الشهر كله.. فلا شك أن هذا محفز كبير… والعجيب أن العمل يزيد وتكون نتائجه أكبر كلما سارت الأيام حتى تأتي ليلة القدر ثم آخر ليلة في الشهر، حيث يعتق الله من عباده مثل ما أعتق من أول الشهر إلى آخره.
* التغيير يحتاج لتكرار.. والمختصون يقولون: إن الإنسان يحتاج من 6 إلى 21 يومًا ليعتاد على سلوك جديد.. فما بالك والعادات الجديدة في رمضان نكررها من 29 إلى 30 يومًا.. فلتجعل عاداتك الجيدة التي تريد أن تسير عليها من ضمن برنامجك اليومي في رمضان (عادة القراءة – أذكار الصباح والمساء – نوافل الصلوات – الاستغفار – قراءة القرآن – زيارة الأقارب..) كل ذلك تجعل له وقتًا في يومك الرمضاني، وستجد له وقتًا وسترى كيف يبارك الله في الوقت.
إن العادات ما هي إلا سلوكيات تعلمناها ومارسناها حتى اعتدنا عليها وصارت كأنها جزء منا, وهي في الحقيقة منفصلة عنا.. فكما تعودنا على عادات سيئة (كثرة النوم – تأجيل الأعمال – إضاعة الأوقات…) فلنكرر العادات الحسنة التي تريد أن تعتادها – وها هو شهر رمضان فرصة جيدة لذلك.
* مما يعين على التغيير, بل هو أقوى المعينات وأكثرها أثرًا: الدعاء, فادع الله تعالى أن يعينك على سلوك طريق التغيير والابتعاد عن العادات السيئة. ورمضان شهر الدعاء, فقد ختم الله آيات الصوم في سورة البقرة بقوله: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان…) الآية.
وذكر الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن للصائم دعوة لا ترد, ودعوته عند فطره وفي آخر ليله – وهو وقت أكلة السحور – فلنجعل الدعاء بأن يغير الله حالنا للأفضل، وأن يصلح أحوالنا وقلوبنا وأعمالنا.
* وأخيرًا.. هناك محفزات ذكرها الله تعالى على لسان رسوله – صلى الله عليه وسلم – للصائم تحفزه لإتمام صومه وإتقان عمله, مثل: مغفرة ما تقدم من الذنوب إن صام وقام إيمانًا واحتسابًا .. واستجابة الدعاء للصائم… والحقيقة أن من أراد أن يسير قي طريق التغيير فلا بد له من محفزات طوال الطريق، وهذه المحفزات قد تكون ما ينتظره عند سلوك طريق التغيير من راحة البال وتجديد النشاط, وبناء علاقات جيدة, وأجر عند الله تعالى, وشهرة أمام الآخرين… الخ وعلى كلٍ فلذة الإنجاز وإتمام العمل لا يساويها لذة.. وقد يكون المحفز ذاتيًّا يضعه الإنسان لنفسه, فكلما قطع شوطًا في طريقه كافأ نفسه بأن يؤدي عملًا يحبه أو يأخذ قسطًا من الراحة…. الخ, وإن كان العمل من أنواع العبادات فما أجمل أن يذكّر المسلم نفسه بالأجر الذي أعده له ربه يوم القيامة.
يقول الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي: (رمضان ما هو إلا فترة راحة وهدوء, يعبُر المؤمن من خلالها إلى مراقي الصعود في درجات الإيمان, فمن استفاد من هذه الفترة في إصلاح حاله وتجديد إيمانه ومراجعة نفسه فقد وجد للتغيير طريقًا).

معادلة التغيير الناجح:
إن التغيير الإيجابي ينطلق من معادلة بسيطة تقول:

انظر في واقعك وقيِّمه + ضع خطة واضحة للتغيير + حاسب نفسك دائمًا = ستصل للتغيير الإيجابي

وأطراف هذه المعادلة سنجدها متوفرة في شهر رمضان المبارك؛ فالخطة موضوعة من الرب تبارك وتعالى وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم, بقي أن تعرف مواضع الخلل الكبرى في حياتك: أين وفي أي الجوانب أنت مقصر لتجتهد في تعديله, ثم اجعل لنفسك ساعات للمحاسبة والمناقشة.
وصية
اجعل لنفسك شعارًا في شهر رمضان لهذا العام, وليكن شعارًا معبرًا عن حقيقة التغيير الذي تريد أن تحققه، ولتذكر في الشعار الجوانب التي تريد أن تحافظ عليها أو المشروع – أو المشاريع – الذي تريد تحقيقه.

الكاتب: د. محمد بن علي شيبان العامري

المصدر

محبطات الأعمال ( الرياء )

عبدالله بن محمد العسكر

إن مصيبة المصائب وطامة الطوام ، والتي تهون عندها كل مصيبة ، وتخف عندها كل بلية أن يكدح المرء في الدنيا بأنواع من القرب والطاعات ، وأصناف من الأعمال والعبادات ، يفني حياته وهو يظن أنه يحسن عملا ، ويحسب أنه سيجد العاقبة حميدة ، والمآل ساراً ؛ فإذا بطاعاته التي أفنى فيها عمره قد ذهبت أدراج الرياح ، وحبط ما صنع وقدّم ، وإذا بالآمال قد خابت ، وأضحت ( كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوافه حسابه والله سريع الحساب ) إنها أعمال الذين ( ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) إنه الهباء المنثور الذي عناه الله بقوله ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا )
تلك بحق والله قاصمة الظهر ، بل هي قاصمة القواصم ،وبلية البلايا ، كل بلية ومصيبة عندها فهي جلل يسيرة ، فيا حسرة من خاب سعيه ، وضاع في الآخرة جهده وعمله .
ولكن السؤال المتبادر إلى الذهن : كيف يحبط عملُ المطيعِ العابد لله ، هل تضيع صلاته وصدقاته وصيامه هكذا سدى وبلا سبب ؟ إنه هذا لهو محض الظلم والله تبارك وتعالى منـزه عن الظلم جل وعلا ، فهو العدل الذي لا يظلم عنده أحد .وهو القائل ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )
إذاً فلا بد أن هناك أسبابا هي التي أحبطت ذلك العمل وأضاعت أجره ، وهي مدار حديثنا هنا .
وما أجدرنا إخوتي في الله أن نكثر من طرح هذا الموضوع وترداده في مجالسنا وفي نفوسنا أيضا ؛ فالأمر جد خطير ، إذ عليه مدار فلاح الإنسان أو شقوتِه . يوم يقوم الناس لرب العلمين .
ومحبطات العمل كثيرة لا يسمح المقام بذكرها ولعلنا أن نقتصر على ما يسمح به وقت هذه المحاضرة ، والله المستعان وعليه التكلان .

أولا:الرياء
والرياء : هو إرادة غير وجه الله في طاعة من الطاعات أو تشريك النية بين الله جل وعلا وغيره ، وكلاهما مما يمقته الله ويعاقب عليه فضلا عن حبوط عمل صاحبه ، وضياع جهده وبذله .
روى الشيخانٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ * وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مرفوعاً : » ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال ؟ قالوا : بلى ! قال : الشرك الخفي ، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل « رواه أحمد.
روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَه ) ويقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- : » من خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله )
ولنتأمل هذا الحديث الذي ترتعد له فرائص أهل الإيمان ، وترتجف له قلوبهم ، ففيه عبرة وعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
روى الترمذي في سننه ُ أَنَّ شُفَيًّا الْأَصْبَحِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقَالُوا أَبُو هُرَيْرَةَ فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ فَلَمَّا سَكَتَ وَخَلَا قُلْتُ لَهُ أَنْشُدُكَ بِحَقٍّ وَبِحَقٍّ لَمَا حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَلْتَهُ وَعَلِمْتَهُ ) فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ (أَفْعَلُ لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَلْتُهُ وَعَلِمْتُهُ ) ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً فَمَكَثَ قَلِيلًا ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً أُخْرَى ثُمَّ أَفَاقَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ فَقَالَ لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً أُخْرَى ثُمَّ أَفَاقَ وَمَسَحَ وَجْهَهُ فَقَالَ أَفْعَلُ لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ فِي هَذَا الْبَيْتِ مَا مَعَهُ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً ثُمَّ مَالَ خَارًّا عَلَى وَجْهِهِ فَأَسْنَدْتُهُ عَلَيَّ طَوِيلًا ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَرَجُلٌ يَقْتَتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي قَالَ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ قَالَ كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فُلَانًا قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ قَالَ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ قَالَ كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ فِي مَاذَا قُتِلْتَ فَيَقُولُ أُمِرْتُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ” ثم إن شُفَيًّا دخل بهذا الحديث على معاوية رضي الله فحدثه بهذا الحديث . فَقَالَ مُعَاوِيَةُ قَدْ فُعِلَ بِهَؤُلَاءِ هَذَا فَكَيْفَ بِمَنْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ بَكَى مُعَاوِيَةُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ هَالِكٌ ثُمَّ أَفَاقَ مُعَاوِيَةُ وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .

إن الرياء داء عضال ، وآفة عظيمة تحتاج إلى علاج شديد وتمرين للنفس على الإخلاص ومجاهدتها في مدافعة خواطر الرياء والاستعانة بالله على دفعها . يقول الإمام الطيّبي عن الرياء : » هو من أضر غوائل النفس ، وبواطن مكائدها ، يبتلى به العلماء والعباد ، والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة ، فإنهم مهما قهروا نفوسهم وفطموها عن الشهوات ، وصانوها عن الشبهات عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة ، الواقعة على الجوارح ، فطلبت الاستراحة إلى التظاهر بالخير وإظهار العلم والعمل ، فوجدت مخلصاً من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ، ولم تقنع باطلاع الخالق تبارك وتعالى ، وفرحت بحمد الناس ، ولم تقنع بحمده الله وحده ، فأحبت مدحهم ، وتبركهم بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقديمه في المحافل ، فأصابت النفس في ذلك أعظم اللذات ، وأعظم الشهوات ، وهو يظن أن حياته بالله تعالى وبعبادته ، وإنما حياته هذه الشهوةُ الخفية التي تعمى عن دَرَكها العقولُ النافذة ، قد أثبت اسمه عند الله من المنافقين ، وهو يظن أنه عند الله من عباده المقربين ، وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقون ، ولذلك قيل : » آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة « .
إنه لا يشفع للمرء كون عمله عظيما إذا كانت النية باطلة ، حتى ولو كان العمل هو الجهاد في أرض المعركة ومقارعة السيوف وإراقة الدماء ، فإن النية الفاسدة تحبط ذلك العمل كله وقد روى البخاري ومسلم وأحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الَّذِي قُلْتَ لَهُ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّهُ قَدْ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّارِ ! قَالَ فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْتَابَ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى بِالنَّاسِ : إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ * نعم إن الجنة طيبة لا يدخلها إلا الأطهار الطيبون الذين صفت أعمالهم لربهم وأنابوا إليه وصدقوا في عهدهم معه .
ولقد كان خوف السلف من الرياء عظيما أقض مضاجعهم وأطار النوم من أجفانهم لأنهم يعلمون عاقبته ، ويدركون مآل صاحبه :
** قال سفيان الثوري : ” كم أجتهد في تخليص الرياء من قلبي كلما عالجته من جانب ظهر من جانب “

يتبع …..

الكذبات الثلاث

هاهم أولاء الصحابة الكرام في مجلسهم المعهود بعد الصلاة أمام معلمهم وهاديهم وسيدهم محمد عليه الصلاة والسلام يسمعون منه ، ويعون بقلوب عامرة بالإيمان ، مفعمة بالتقدير والحب ، يسألونه :
يا رسول؛ الله حدثتَنا أن إبراهيم عليه السلام حين يأتيه المؤمنون يوم الحشر يستشفعونه إلى الله تعالى ليدخلهم الجنة يذكر كذباته ويقول :
نفسي ، نفسي ، اذهبوا إلى موسى . فماهي هذه الكِذبات ؟ وهل يكذب نبي؟! إننا نقف محتارين حين يخطر ببالنا أن نبياً يكذب !!.
نظر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم نظرة المعلم الحاني ، وابتسم ، فأشرقت نفوسهم بابتسامته ، ولمعت عيناه ببريق شع ضوءُه فدخل أفئدتهم ، فأنارها ، وأقبل عليهم ، فأقبلوا عليه .
فقال : كذب إبراهيم ثلاث كَذبات ( في عرف الأنبياء ) إذ كل حركة وسكنة محسوبة عليهم ، وعين الخلق – محبّهم ومبغضهم – تتابعهم ، يحصون ما يفعلون وما يقولون . فالمؤمنون يفعلون ذلك أسوة واتّباعاً ، والشانئون يفعلونها إرصاداً وإحصاء .
أما الكذبة الأولى فقد كان قومه أهل تنجيم ، فرأى نجماً قد طلع ، فنظر إليه متأملاً عظمة الخالق وجماله فيه ، وجاءه قومه يسألونه أن يخرج معهم للاحتفال بولادة هذا النجم – وهذا من طقوسهم – فبيّت إبراهيم في نفسه أمراً لا يستطيع عمله إلا إذا خلا الجو ، وفرغ المكان من الناس ، فعصب رأسه ، وقال : إني مطعون ( مصاب بالطاعون) فتولوا عنه مدبرين خوفاً أن يعديهم .
قال الصحابة الكرام : وما الأمر الذي عزم إبراهيم عليه السلام أن يفعله حين يخلو بنفسه ؟.
قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم :
إنه عزم أن يكسر الأصنام التي يعبدونها لينتبهوا من غفلتهم ، ويعلموا أن هذه الآلهة المزعومة – لو كانت آلهة بحق – دافعت عن نفسها .
قالوا : وهل فعل ما قرره ؟!
قال صلى الله عليه وسلم : لما خرج الكهنة ومعهم دهماء الناس مال إبراهيم إلى الأصنام دون أن يشعر الناس به ، فدخل المعبد ، فوجد أمام الأصنام طعاماً ،
فقال لها هازئاً بها : هذا الطعام أمامك ، فيه ما لذ وطاب ، كليه !! مدي أيديك إليه !! .
ولكنْ لاحياة لمن تنادي ….
قال لها مرة أخرى : تذوقيه وتلذذي به ؛ لِمَ لا تفعلين ؟! ..إن كهنتك الأفاقين يُلبّسون على الجهلة ذوي العقول الفارغة ، فيوحون إليهم أنك تأكلين وتكلمينهم ، وتوحين إليهم ، فهم الواسطة بينك وبين الغوغاء !! لماذا لا تنطقين ؟ لأحطمنّك إرْباً إرْباً ، فدافعي عن نفسك ، حافظي على ألوهيتك ! .. ولكنْ أنّى للحجر والخشب أن يتكلما أو يدفعا عن نفسيهما السوء؟! إنها آلهة مزعومة ، لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً …

 

unnamed
كانت نفسه في أوج كرهه إياها ، فطفق يضربها بقوة ، يكسرها ، يفتتها ، يبعثرها .. حتى جعلها حطاماً … وترك كبيرها وسط الدمار علامة الضعف والذل والهوان ، وعلّق عليه الفأس احتقاراً ، عل عبّاده يفكرون ، ويعلمون أنهم في ضلالهم يعمهون … إن التفكير السليم يوصل إلى القرار السليم .
وجاءه قومه فدخلوا معبدهم ، ويا لَهولِ ما رأوا ! … هذه الآلهة صارت شَذَر مذَر … من يجرؤ على هذه الفعلة الشنيعة ؟!!
قال بعضهم : هناك فتى يذكر آلهتنا بسوء اسمه إبراهيم ، فلعله الفاعل ! .
وجيء بإبراهيم ، فأوقفوه موقف المتهم ، وسألوه : أأنت فعلت هذا بآلهتنا ؛ يا إبراهيم ؟!
وكان الناس مجتمعين يسمعون ويشهدون .
وهنا تفوّه بالكذبة الثانية : وهي في الحقيقة وخزة لضمائر الناس وهزة لعقولهم ، قال :
بل فعله كبيرهم هذا ، فاسألوهم إن كانوا ينطقون !!
لقد غضب هذا الإله الكبير أن تُعبد الآلهة الصغيرة معه ، فانتهز فرصة غيابكم ، فتخلص منها … اسألوه ، إنه أمامكم ….
إن الفطرة حين تنفضّ عنها ركام الجاهلية ولو برهة يسيرة تنطق صواباً … لقد كان دفاعه رائعاً حقاً ، منطقياً ، رجّهم رجّاً ، وهزّهم هزّاً .
قالوا : لقد ظلمتم إبراهيم حين اتهمتموه ، هذه آلهتكم أمامكم فاسألوها ، اوَ لستم تعبدونها وتقدّسونها ؟! ففيها حياة إذن !! وضج المكان بالتساؤلات الجادّة والتكهّنات الساخرة .
كان من البديهي – لذوي الأحلام وأصحاب العقول – أن يثوبوا إلى صوابهم ، ويعرفوا أن هذه الأصنام التي صنعوها بأيديهم هم سادتها ، وليست هي سيدتَهم …
ولكنْ أنّى للعقول العفنة التي ران عليها الكفر ، وطمسها الضلال أن ترى نور الحق وضياء الوحدانيّة ؟! أنّى لمن عاش في حمْأة الغي أن يتلمّس الهداية والإيمان ؟!
لقد كادت كلمات إبراهيم تزلزل الأرض تحت أقدام الكهنة المتعفنين ، وتسلبهم سلطتَهم وزعامتهم إلى الأبد … لا لا .. لا ينبغي لصاحب الكلمة الحق أن يصدع بها ، إنما يجب كمّ فمه ، فلا يتكلم ، ويجب إرهاب الحاضرين كي يجبُنوا فلا يتبعوه …
قالوا وقد أعمى الضلال قلوبه ، ونكسهم ، فغاصوا في أوحال الشرك والكفر :
“لقد علمتَ ما هؤلاء ينطقون” ، فقلتَ قولتَك تحرّك بها عوام الناس وتؤلبهم علينا ، وتسحب البساط من تحت أرجلنا !!..
استمر صوت إبراهيم مدوّياً ، يتحدّى أن يشلّ الداعية أو أن يخيفه :” أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرّكم ؟!.. “
ثم أعلن أن العبادة الحقة لله وحده ، فقال : ” أفّ لكم ولما تعبدون من دون الله .. أفلا تعقلون ؟!.”
أما الكذبة الثالثة فقد كان إبراهيم عليه السلام – بعد أن نجّاه الله من النار التي أرادوا أن يحرقوه بها ، فانقلبت عليه برداً وسلاماً- ذات يوم وزوجه سارة قد ابتعدا عن أرض الكفر والفساد ، ودخلا أرضاً يحكمها جبار من الجبابرة ، فأرسل إليه مخبروه أنّ ههنا رجلاً معه امرأة من أحسن النساء جمالاً وسمتاً ، فأرسل إليه ، فسأله عنها والشرر يتطاير من عينيه ، يريدها لنفسه . فإن قال إبراهيم : إنها زوجتـُه قتله وأخذها .فقال : إنها أخته … فقال الجبار : أريدها إذاً .
فانطلق إبراهيم إلى سارة ، فقال لها : ليس على وجه هذه الأرض مؤمن غيري وغيرك ، وإن هذا سألني عنك ، فأخبرتُه أنك أختي ، وأضمرتُ الأُخُوّة في الله ، فلا تُكذّبيني .
فأرسل الجبار إليها ، فلما مثلت بين يديه مدّ يده إليها … فتوقفت يده كأنها قطعة خشب ، لا يستطيع لها حراكاً … قال لها : ادعي الله لي ، ولا أضرك ، فدعت الله تعالى ، فأُطلقت يدُه بإذن الله تعالى … لكنّ شيطانه وسوس له أن يحاول كرّة أخرى ، ففعل ، فأصابه أشدُّ ما أصابه في المرّة الأولى ، فناشدها الله أن تدعو له ، ولن يعود إليها . فدَعَتْ ، فأُطلقتْ يدُه ..
فدعا الجبار بعض خدمه ، فقال : إنكم لم تأتوني بإنسان ، إنما أتيتموني بشيطان – وتناسى أنه هو الشيطان – أعيدوها ، وهبوا لها هاجر خادمة لها .
فجاءت سارة إلى إبراهيم وهو يصلي ، فأومأ بيده إليها يسألها عن حالها – لم يستطع الانتظار ، فالأمر جد خطير – فقالت مقالة المؤمن الواثق بربه : ردّ الله كيد الكافر .

صحيح البخاري ج 3
كتاب بدء الخلق : باب قول الله تعالى :
واتخذ الله إبراهيم خليلاً

الدكتور عثمان قدري مكانسي

طريق التكبر

د. وليد أحمد الفتيحي
أم الشقاوات ومنبع المهلكات، آفة خطيرة تعمي البصيرة فيصبح الإنسان بها أبعد ما يكون عن الحقيقة، حرَّمها الله في كتابه، فهي صفة لا تليق بعباده، وطبع على قلوب أصحابها وصرفهم عن آياته، وحرم من في قلبه ذرة منها من دخول جناته..
الكبر والتكبر والغطرسة والتعاظم والغرور.. كلمات تحمل معاني متقاربة من آثار العجب من عقل غلب عليه الجهل والنقص، وقلب ضعف فيه الإيمان، فلا البصر يرى ما يراه الأصحاء من الناس، ولا البصيرة ترى الحقائق وراء الأشياء
.
ولكن لماذا يصاب الناس بالغرور؟ قد تبدأ القصة على نحو مثل هذا، فلان من الناس يحاول أن يحظى باهتمام بعض الأصدقاء الذين يحترمهم ويقدرهم، ولكنه كلما زاد من المحاولة زاد فشلاً وبعداً عنهم وازدادوا نفوراً منه، مما أدى إلى جرح مشاعره وتبخيسه لذاته. وليعالج ذاته المجروحة بدأ على المستوى اللاواعي في عقله الباطن (حاله حال الملايين من أمثاله) بممارسة التكبر والغرور على أناس آخرين ممن يراهم أقل منه حظاً ليجلب الاهتمام إليه، وبذلك يستعيد الإحساس بشيء من ذاته المبخسة
.

إkibrن الشخص المتكبر هو الذي يفتقد الحب والاحترام والتقدير لذاته، أما صاحب الذات الصحيحة المعافاة السليمة فيكون متواضعاً لأنه على وفاق مع ذاته، لا يحتاج لأن يقول للعالم من هو، فهو راض مطمئن مسرور بصمت وهدوء وسكينة أن يكون هو كما هو على سجيته وطبيعته دون تصنع أو تمثيل
.

وللإصابة بمرض الغرور والتكبر عناصر ومكونات متشابهة
:

1- تبدأ بتجربة سيئة في مرحلة مبكرة من العمر، كالرفض والانتقاد اللاذع المهين من ذوي الأهمية في حياة الطفل أو المراهق كالوالدين أو الإخوة والأصدقاء
.

2- تؤدي الخطوة السابقة إلى تكوين فكرة خاطئة عن النفس والحياة والآخرين، وليصبح المتكبر معتمداً في تقييمه لذاته على نظرة الآخرين له
.

3- يتكون لدى المتكبر خوف مستمر عميق وراسخ من أن يراه الناس كما هو على حقيقته، أن يروا ضعفه أو نقصه وعيوبه لما لذلك من عواقب كارثية على إحساسه بقيمته وتقييمه لذاته من خلال نظرة الناس إليه
.
4- تتكون لدى المتكبر استراتيجية عقيمة للتكيف والتأقلم مع هذا الخوف ولحماية ذاته الهشة المبخسة في نظره بالتلاعب بنظرة الناس إليه وتضخيم الإيجابيات أو اصطناعها وتلفيقها للاختفاء وراءها
.

5- تتكون شخصية جديدة يختبئ المتكبر وراءها.. شخصية قد تمارس الغرور بطريقة مستترة خفية ماكرة لتصبح مقبولة اجتماعياً وليصل المستمع تلقائياً إلى النتيجة النهائية المبتغاة
.

ومثال لذلك حديث المتكبر عن قصص ومواقف حقيقية بطريقة غير مباشرة ليؤكد بالأدلة أنه مميز ومتميز واستثنائي ورائع ومدهش. فتجد هذا المتكبر المغرور يقحم في المحادثة أسماء أناس مهمين دون حاجة سياق الحديث أو الحوار لذلك، ومن علاماته كذلك اعتقاده بأن لديه الإجابة عن كل سؤال. المتكبر تجده كثيراً ما يهاجم منافسين له، بل وينسف كل نجاحاتهم وجهودهم ومساعيهم. كما أنه كثير اللوم للآخرين قليل اللوم لنفسه والاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه
. يقاطع الحوار، فهو في الحقيقة لا يستمع إليك، وتحس أثناء الحديث معه أنه ليس معك وكأن عينيه تبحثان عن شيء آخر أو شخص آخر، لعله يكون أكثر نفعاً له من الحديث معك، وذلك على خلاف المتواضع الواثق من نفسه الذي يشعرك بأنك أهم إنسان في حياته، فهو يتحدث إليك بكليته وبعينيه وجوارحه وعقله وقلبه.

المتكبر أقل ذكاء وحكمة وتعقلاً من المتواضع
.

في دراسة أجريت في

(University Imaging Research Center) ونشرت في مجلة
(journal NeuroImage) في فبراير 2011 قام الباحثون بدراسة إجابات عشرين شخصاً على أسئلة توضح كيف يقارنون أنفسهم بقرنائهم في بعض الخصال الإيجابية، مثل: هل لديهم ذوق رفيع ولباقة؟ وهل هم ناضجون ومتواضعون؟ هل هم محبوبون وجديرون بهذا الحب؟ وكذلك في بعض الخصال السيئة مثل: هل نظرتهم للحياة مادية؟ وهل هم غير جديرين بالثقة وضيقو الأفق واحتمالية وقوعهم في الأخطاء كبيرة؟

وأثناء إجاباتهم عن هذه الأسئلة قام الباحثون بتصوير أدمغة المشاركين بجهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي فوجدوا أن الأشخاص الذين ينظرون إلى أنفسهم بطريقة وردية إلى أقصى حد استخدموا الفص الأمامي من الدماغ أو الناصية أقل من أقرانهم، علماً بأن الفص الأمامي هو المسؤول عن المنطق والتخطيط وصنع القرارات وحل المعضلات، بمعنى آخر فإن الأشخاص الذين ينظرون إلى أنفسهم دائماً بمنظار الحسن والرضا والإطراء ويرون أنفسهم أفضل من أقرانهم ولا يرون عيوبهم ونقصهم، فإنهم يستخدمون الفص الأمامي من الدماغ أقل من أقرانهم الذين يرون أنفسهم بنظرة أكثر واقعية وموضوعية ومحاسبة للنفس
.

تقول الباحثة ودكتورة علم النفس جنيفير بير: على قدر استعمال الفص الأمامي من الدماغ على قدر موضوعيتك وواقعيتك ونظرتك لنفسك وتقييمك لذاتك وللعالم من حولك. أي بمعنى آخر: على قدر تفعيل الفص الأمامي (الناصية) تكون نسبة تواضعك، فالتواضع ذكاء وعلم وحكمة، أما التكبر فهو غباء وجهل وحماقة
.

إنه التكبر الذي تجسد في قول قارون (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي) فخسف الله به وبملكه الأرض. وهو التكبر الذي حال دون إسلام الوليد بن المغيرة والد الصحابي الجليل خالد بن الوليد أثرى قادة قريش والملقب بوحيد مكة، لأن قبائل قريش كانت تكسو الكعبة عاماً، وهو وحده يكسوها عاماً، بعدما سمع الوليد بن المغيرة القرآن الكريم من رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد يقول: لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه مثمر وأسفله مغدق وإنه ليعلو ولا يعلى عليه
.

وما حال بينه وبين الإيمان إلا الاستكبار (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ
). إنه الكبر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ”. أما التواضع فهو الصفة المحمودة التي تدل على نفس واثقة طاهرة، وهو وسط بين طرفين كبرٌ ومذلة. قال الرسول الكريم: “طوبى لمن تواضع في غير مسكنة”. وهو الذي عرفه الفضيل بقوله: “أن تخضع للحق وتنقاد له وتقبله من كل من تسمعه منه“.

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: يقول الله تبارك تعالى: “من تواضع لي هكذا وجعل يزيد باطن كفه إلى الأرض وأدناها رفعه هكذا وجعل باطن كفه إلى السماء ورفعها نحو السماء”. وقوله صلى الله عليه وسلم: “من تواضع لله درجة رفعه الله حتى يجعله في عليين“.

إن التواضع ثقة وإيمان، ولذلك كان كمال التواضع في المرء حال النصر والعلم والجاه والمال والسلطان لوجود دواعي الفخر، وهنا يكون التواضع دليل كمال الثقة وصدق الإيمان وشكر للرازق الرحمن، وكان هذا حال معلم الإنسانية خصوصاً في حال النصر، فدخل مكة مطأطئ الرأس تواضعاً لله
.

يقول مصطفى صادق الرافعي: “إن اللين في القوة الرائعة أقوى من القوة نفسها، لأنه يظهر لك موضع الرحمة فيها، والتواضع في الجمال أحسن من الجمال لأنه ينفي الغرور عنه، وكل شيء من القوة لا مكان فيه لشيء من الرحمة فهو مما وضع الله على الناس من قوانين الهلاك
“.

وسنتحدث في مقال قادم إن شاء الله عن بعض الدراسات التي تحدثت عن سلوكيات كل من المتواضعين والمتكبرين، وسنحاول أن نجيب عن سؤال: كيف يُعلم التواضع، وكيف تعلمه الصحابة رضوان الله عليهم من الرسول صلى الله عليه وسلم
.

قصة الحاج سعيد

بعد انتهاء مراسم الحج وانفضاض الحجيج كل في حال سبيله اكتظ المطار بالحجاج العائدين إلى بلادهم وهم ينتظرون طائراتهم لتقلهم إلى الأحباب الذين ينتظرونهم بفارغ الصبر , جلس سعيد على الكرسي وبجانبه حاج آخر فسلم الرجلان على بعضهما وتعارفا وتجاذبا أطراف الحديث حتى قال الرجل الآخر :

– والله يا أخ سعيد أنا أعمل مقاولا وقد رزقني الله من فضله وفزت بمناقصة أعتبرها صفقة العمر وقد قررت أن يكون أداء فريضة الحج للمرة العاشرة  أول ما أفعله شكرا لله على نعمته التي أنعم بها عليّ وقبل أن آتي إلى هنا زكيت أموالي وتصدقت كي يكون حجي مقبولا عند الله .ثم أردف بكل فخر واعتزاز :

– وها أنا ذا قد أصبحت حاجا للمرة العاشرة

أومأ سعيد برأسه وقال :

–  حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا إن شاء الله

ابتسم الرجل وقال :

– أجمعين يا رب وأنت يا أخ سعيد هل لحجك قصة خاصة ؟

أجاب سعيد بعد تردد :

– والله يا أخي هي قصة طويلة ولا أريد أن أوجع رأسك بها

ضحك الرجل وقال :

– بالله عليك هلا أخبرتني فكما ترى نحن لانفعل شيئا سوى الانتظار هنا .

ضحك سعيد وقال :

– نعم, الانتظار وهو ما تبدأ به قصتي فقد انتظرت سنوات طويلة حتى أحج فأنا أعمل منذ أن تخرجت معالجا فيزيائيا قبل 30 سنة وقاربت على التقاعد وزوّجت أبنائي وارتاح بالي ثم قررت بما تبقى من مدخراتي البسيطة أداء فريضة الحج هذا العام فكما تعرف لا يضمن أحد ما تبقى من عمره  وهذه فريضة واجبة .

رد الرجل :

– نعم الحج ركن من أركان الإسلام وهو فرض على كل من استطاع إليه سبيلا .

أكمل سعيد :

– صدقت , وفي نفس اليوم الذي كنت أعتزم فيه الذهاب إلى متعهد الحج بعد انتهاء الدوام وسحبت لهذا الغرض كل النقود من حسابي, صادفت إحدى الأمهات التي يتعالج ابنها المشلول في المستشفى الخاص الذي أعمل فيه وقد كسا وجهها الهم والغم وقالت لي أستودعك الله يا أخ سعيد فهذه آخر زيارة لنا لهذا المستشفى , استغربت كلامها وحسبت أنها غير راضية عن علاجي لابنها وتفكر في نقله لمكان آخر فقالت لي لا يا أخ سعيد يشهد الله أنك كنت لابني بحنان والده وقد ساعده علاجك كثيرا بعد أن كنا قد فقدنا الأمل به .

استغرب الرجل وقاطع سعيد قائلا :

– غريبة , طيب إذا كانت راضية عن أدائك وابنها يتحسن فلم تركت العلاج ؟

أجابه سعيد :

– هذا ما فكرت به وشغل بالي فذهبت إلى الإدارة وسألت المحاسب عن سبب ما حدث وإن كان بسبب قصور مني فأجابني المحاسب  بأن لا علاقة لي بالموضوع ولكن زوج المرأة قد فقد وظيفته وأصبح الحال صعبا جدا على العائلة ولم تعد تستطيع دفع تكاليف العلاج الطبيعي فقررت إيقافه .

حزن الرجل وقال :

– لا حول ولا قوة إلا بالله , مسكينة هذه المرأة فكثير من الناس فقدت وظائفها بسبب أزمة الاقتصاد الأخيرة , وكيف تصرفت يا أخ سعيد ؟

أجاب سعيد :

– ذهبت إلى المدير ورجوته أن يستمر بعلاج الصبي على نفقة المستشفى ولكنه رفض رفضا قاطعا وقال لي إنّ هذه مؤسسة خاصة تبتغي الربح وليست مؤسسة خيرية للفقراء والمساكين ومن لا يستطيع الدفع فهو ليس بحاجة للعلاج .

خرجت من عند المدير حزينا مكسور الخاطر على المرأة وابنها خصوصا أن الصبي قد بدأ يتحسن وإيقاف العلاج معناه انتكاسة تعيده إلى نقطة الصفر , وفجأة وضعت يدي لا إراديا على جيبي الذي فيه نقود الحج , فتسمرت في مكاني لحظة ثم رفعت رأسي إلى السماء وخاطبت ربي قائلا :

اللهم أنت تعلم بمكنون نفسي وتعلم أن ليس أحب الى قلبي من حج بيتك وزيارة مسجد نبيك وقد سعيت لذلك طوال عمري وعددت لأجل ذلك الدقائق والثواني ولكني مضطر لأن أخلف ميعادي معك فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم .

وذهبت إلى المحاسب ودفعت كل ما معي له عن أجرة علاج الصبي لستة أشهر مقدما  وتوسلت إليه أن يقول للمرأة بأن المستشفى لديه ميزانية خاصة للحالات المشابهة .

أدمعت عين الرجل :

– بارك الله بك وكثّر من أمثالك, ولكن إذا كنت قد تبرعت بمالك كله فكيف حججت إذا ؟

قال سعيد ضاحكا :

– أراك تستعجل النهاية , هل مللت من حديثي ؟ اسمع يا سيدي بقية القصة , رجعت يومها الى بيتي حزينا على ضياع فرصة عمري في الحج وفرح لأني فرّجت كربة المرأة وابنها ونمت ليلتها ودمعتي على خدي فرأيت نفسي في المنام وأنا أطوف حول الكعبة والناس يسلمون عليّ ويقولون لي حجا مبرورا يا حاج سعيد فقد حججت في السماء قبل أن تحج في الأرض  , دعواتك لنا يا حاج سعيد , حتى استيقظت من النوم وأنا أحس بسعادة غير طبيعية على الرغم من أني كنت شبه متأكد أني لن أتشرف  , بحج بيت الله …فحمدت الله على كل شيء ورضيت بأمره .

وما أن نهضت من النوم حتى رنّ الهاتف وكان مدير المستشفى الذي قال لي :

– يا سعيد أنجدني فأحد كبار رجال الأعمال  يريد الذهاب إلى الحج هذا العام وهو لا يذهب دون معالجه الخاص الذي يقوم على رعايته وتلبية حاجاته,  وزوجة معالجه في أيام حملها الأخيرة ولا يستطيع تركها فهلا أسديتني خدمة وذهبت بدلا عنه ؟ لا أريد أن أفقد وظيفتي إذا غضب مني فهو يملك نصف المستشفى .

قلت له بلهفة :

– وهل سيسمح لي أن أحج ؟

فأجابني بالموافقة فقلت له إني سأذهب معه ودون أي مقابل مادي , وكما ترى فقد حججت وبأحسن ما يكون عليه الحج وقد رزقني الله حج بيته دون أن ادفع أي شيء والحمد لله وفوق ذلك فقد أصر الرجل على إعطائي مكافأة مجزية لرضاه عن خدمتي له وحكيت له عن قصة المرأة المسكينة فأمر بأن يعالج ابنها في المستشفى على نفقته الخاصة وأن يكون في المستشفى صندوق خاص لعلاج الفقراء وفوق ذلك فقد أعطى زوجها وظيفة لائقة في إحدى شركاته .

نهض الرجل وقبّل سعيد على جبينه :

– والله لم أشعر في حياتي بالخجل مثلما أشعر الآن يا أخ سعيد فقد كنت أحج المرة تلو الأخرى وأنا أحسب نفسي قد أنجزت شيئا عظيما وأن مكانتي عند الله ترتفع بعد كل حجة  ولكني أدركت لتوي أن حجك بألف حج من أمثالي فقد ذهبت أنا الى بيت الله  بينما دعاك الله إلى بيته  ومضى وهو يردد: غفر الله لي, غفر الله لي .