جاء رمضان.. فليبدأ التغيير الإيجابي

ramadan-3384043_1280إنَّ الحديث عن التغيير أصبح كثيرًا وفي أحيان كثيرة مملًا للأسف, ذلك أن كثيرًا من الناس عندما يستمعون إلى محاضرات أو دورات حول التغيير يحاولون أن يخطوا خطوات باتجاه التغيير، ويبدؤون أول الطريق، لكنهم سرعان ما يتعثرون وينكصون على أعقابهم…. وأسباب هذا النكوص كثيرة ليس هذا مجال بسطها هنا، لكني أريد أن أتحدث عن:

الأسباب التي تجعلنا نتحفز للتغيير بدءًا من شهر رمضان المبارك:
* في شهر رمضان يلتزم المسلم بتغيير بعض عاداته كالأكل مثلًا.. وتتغير عادة نومه!! كما أن كثيرًا من المسلمين يلزم نفسه بأمور (إيجابية) كان بعيدًا عنها كقيام الليل.. بل ربما يطول القيام كما يحصل في العشر الأواخر. كما يعكف كثير من الناس على القرآن الكريم قراءةً وحفظًا وتدبرًا.. وتكثر الصدقات وألوان البر الأخرى.. والتغيير الإيجابي يحتاج لإلزام النفس بالجد والعمل الطويل (أحيانًا) والخروج عن المألوف والروتين اليومي الذي يعيش فيه كثير من الناس… وها هنا فائدة أخرى أيضًا وهي أنه في رمضان يكثر العمل وتتعدد أوجه الخير؛ فما بين صيام وقراءة قرآن وصدقة وإطعام محتاج وزكاة فطر ودعاء وقيام ليل.. الخ, ومن أراد أن يغير حياته فليبحث بجد عن الأعمال التي تناسبه لأن كثيرًا من الناس – للأسف الشديد – بلغ من العمر مبلغًا وهو لم يكتشف طاقاته! ولم يعرف المجال الذي يستطيع أن يبدع فيه! والقاعدة أن كلًا ميسر لما خلق له كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.
* كما أن المسلم يلزم نفسه في رمضان بتغيير بعض عاداته السيئة.. فهو يجتنب كثرة الأكل، ويبتعد عن القيل والقال بلا فائدة، بل لا يرد على مسيء (فليقل إني امرؤ صائم), ويبتعد عن النظر الحرام ولا يتأخر في صلاة ولا يدخن ولا…. الخ.. والتغيير الإيجابي يحتاج إلى مجاهدة النفس وكسر بعض ما تعودت عليه من الكسل والخمول والعادات السيئة الأخرى.
(إن من لوازم التغيير أن يغير الإنسان عاداته اليومية من أكل وشرب ونوم وخلافه, والبارزون في الحياة لا تجدهم يملؤون معداتهم بأنواع الطعام والشراب, بل إن كثرة الأكل وامتلاء المعدة به مثقلة للجسد عن الحركة مشغلة للعقل عن التفكير مشتتة للقلب, فالمعدة متى امتلأت لم يجد القلب مجالًا للتأمل والتفكير).
* التغيير يحتاج لمحفزات, وفي أحيان كثيرة يحتاج المرء إلى من يأخذ بيده ويتغير معه.. وفي رمضان تتوفر هذه الميزة بنجاح؛ فالكون كله يتغير في رمضان وليس المسلمون من البشر فقط.. فأبواب الجنة تفتح في رمضان.. وأبواب النيران تغلق.. وتفتح أبواب السماء.. والنفس مقبلة على العبادة (إما راغبة أو مرغمة), بل حتى إن الله يغير الأجور ويضاعفها لعباده في رمضان، ومن أمثلة ذلك العمرة في رمضان التي تساوي حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم.
* في رمضان ينتظم وقت المسلم انتظامًا دقيقًا.. بل يحصل من المجاهدة الشيءُ الكبير في سبيل المحافظة على الوقت.. فالإمساك يبدأ مع أول جملة ينطقها المؤذن ولا يمكن أن يتأخر المسلم في الأكل والشرب بعد أن يسمع الأذان الثاني.. وكذلك ينتهي الإمساك مع أول تكبيرة  ينطق بها المؤذن لصلاة المغرب… ويلتزم الصائمون جميعًا.. بل يتسابقون لينالوا خيرية التعجيل في إنهاء الصيام… إن تنظيم أوقات الصيام للصائم لا شك أنه محفز لمن يريد أن يبدأ مسيرة التغيير.. فمن شروط التغيير المهمة الالتزام بالوقت.. فمن المهم أن تلزم نفسك في كل عمل تؤديه بوقت تبدأ فيه ووقت تنهيه.
* في رمضان يكون العمل – كما سبق ذكره – ويكون نتاج هذا العمل ظاهرًا كذلك, وهذا من أكبر المحفزات التي تعجل بتغيير الإنسان لحياته ونفسه, فما أجمل أن ترى نتاج أعمالك وقطاف ثمارك أمامك, مع ما يدخره الله للعبد من ثواب في الآخرة.. إن الصائم وضع لنفسه هدفًا بالليل أن يصوم اليوم التالي ويمسك عن الأكل والشرب وسائر المفطِّرات ولغو الحديث وسيِّئ العمل ثم يجاهد نفسه على ترك القبيح وفعل كل جميل حتى يحين وقت المغرب, وحين يفطر الصائم تصيبه إحدى الفرحتين بإتمام عمله وثبوت الأجر بإذن الله تعالى.. وتبقى الفرحة الأخرى يوم يلقى ربه..ويتكرر هذا على مدار الشهر كله.. فلا شك أن هذا محفز كبير… والعجيب أن العمل يزيد وتكون نتائجه أكبر كلما سارت الأيام حتى تأتي ليلة القدر ثم آخر ليلة في الشهر، حيث يعتق الله من عباده مثل ما أعتق من أول الشهر إلى آخره.
* التغيير يحتاج لتكرار.. والمختصون يقولون: إن الإنسان يحتاج من 6 إلى 21 يومًا ليعتاد على سلوك جديد.. فما بالك والعادات الجديدة في رمضان نكررها من 29 إلى 30 يومًا.. فلتجعل عاداتك الجيدة التي تريد أن تسير عليها من ضمن برنامجك اليومي في رمضان (عادة القراءة – أذكار الصباح والمساء – نوافل الصلوات – الاستغفار – قراءة القرآن – زيارة الأقارب..) كل ذلك تجعل له وقتًا في يومك الرمضاني، وستجد له وقتًا وسترى كيف يبارك الله في الوقت.
إن العادات ما هي إلا سلوكيات تعلمناها ومارسناها حتى اعتدنا عليها وصارت كأنها جزء منا, وهي في الحقيقة منفصلة عنا.. فكما تعودنا على عادات سيئة (كثرة النوم – تأجيل الأعمال – إضاعة الأوقات…) فلنكرر العادات الحسنة التي تريد أن تعتادها – وها هو شهر رمضان فرصة جيدة لذلك.
* مما يعين على التغيير, بل هو أقوى المعينات وأكثرها أثرًا: الدعاء, فادع الله تعالى أن يعينك على سلوك طريق التغيير والابتعاد عن العادات السيئة. ورمضان شهر الدعاء, فقد ختم الله آيات الصوم في سورة البقرة بقوله: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان…) الآية.
وذكر الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن للصائم دعوة لا ترد, ودعوته عند فطره وفي آخر ليله – وهو وقت أكلة السحور – فلنجعل الدعاء بأن يغير الله حالنا للأفضل، وأن يصلح أحوالنا وقلوبنا وأعمالنا.
* وأخيرًا.. هناك محفزات ذكرها الله تعالى على لسان رسوله – صلى الله عليه وسلم – للصائم تحفزه لإتمام صومه وإتقان عمله, مثل: مغفرة ما تقدم من الذنوب إن صام وقام إيمانًا واحتسابًا .. واستجابة الدعاء للصائم… والحقيقة أن من أراد أن يسير قي طريق التغيير فلا بد له من محفزات طوال الطريق، وهذه المحفزات قد تكون ما ينتظره عند سلوك طريق التغيير من راحة البال وتجديد النشاط, وبناء علاقات جيدة, وأجر عند الله تعالى, وشهرة أمام الآخرين… الخ وعلى كلٍ فلذة الإنجاز وإتمام العمل لا يساويها لذة.. وقد يكون المحفز ذاتيًّا يضعه الإنسان لنفسه, فكلما قطع شوطًا في طريقه كافأ نفسه بأن يؤدي عملًا يحبه أو يأخذ قسطًا من الراحة…. الخ, وإن كان العمل من أنواع العبادات فما أجمل أن يذكّر المسلم نفسه بالأجر الذي أعده له ربه يوم القيامة.
يقول الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي: (رمضان ما هو إلا فترة راحة وهدوء, يعبُر المؤمن من خلالها إلى مراقي الصعود في درجات الإيمان, فمن استفاد من هذه الفترة في إصلاح حاله وتجديد إيمانه ومراجعة نفسه فقد وجد للتغيير طريقًا).

معادلة التغيير الناجح:
إن التغيير الإيجابي ينطلق من معادلة بسيطة تقول:

انظر في واقعك وقيِّمه + ضع خطة واضحة للتغيير + حاسب نفسك دائمًا = ستصل للتغيير الإيجابي

وأطراف هذه المعادلة سنجدها متوفرة في شهر رمضان المبارك؛ فالخطة موضوعة من الرب تبارك وتعالى وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم, بقي أن تعرف مواضع الخلل الكبرى في حياتك: أين وفي أي الجوانب أنت مقصر لتجتهد في تعديله, ثم اجعل لنفسك ساعات للمحاسبة والمناقشة.
وصية
اجعل لنفسك شعارًا في شهر رمضان لهذا العام, وليكن شعارًا معبرًا عن حقيقة التغيير الذي تريد أن تحققه، ولتذكر في الشعار الجوانب التي تريد أن تحافظ عليها أو المشروع – أو المشاريع – الذي تريد تحقيقه.

الكاتب: د. محمد بن علي شيبان العامري

المصدر

غير وسائلك عندما لا تسير الأمور كما يجب

change-your-life

جلس رجل أعمى على إحدى عتبات عمارة واضعا ً قبعته بين قدميه وبجانبه لوحة مكتوب عليها : ” أنا أعمى أرجوكم ساعدوني “. فمر رجل إعلانات بالأعمى ووقف ليرى أن قبعته لا تحوي سوى قروش قليلة فوضع المزيد فيها دون أن يستأذن الأعمى أخذ لوحته وكتب عليها عبارة أخرى وأعادها مكانها ومضى في طريقه لاحظ الأعمى أن قبعته قد امتلأت بالقروش والأوراق النقدية، فعرف أن شيئاً قد تغير وأدرك أن ما سمعه من الكتابة هو ذلك التغيير فسأل أحد المارة عما هو مكتوب عليها فكانت الآتي : ” نحن في فصل الربيع لكنني لا أستطيع رؤية جماله “

لذا غير وسائلك عندما لا تسير الأمور كما يجب

استمتعي بحياتك – قصة قصيرة

منيرة المطيري

قبل خمس سنوات من الآن  تخرّجت من الثانوية العامة؛ الحياة حلوّة والفرحة كبيرة وأخيرًا خلصت من همّ المدارس وبصير جامعيّة صرت كبيرة ، وفرحتي مابعطيها لأحد..

انتهت الصيفيّة وابتدأ التسجيل في الجامعة كانت فترة صعبة علي، كل الجامعات ماقبلتني انتهى بي الحال في البيت وأبتدا الهمّ والنفسيّة التعبانة كل الأيام تشبة بعضها ، روتين قاتل ملل متواصل ، فشل ، عالة ، كآبة كل الأحاسيس المؤلمة بوقتها كانت ساكنة فيني ، ولكن أمر الله فوق كُل شيء ، وأمر الله أسمى وأجمل من كُل شيء.

كنت مثل أيّ إنسان، ضيقة الأُفق ، مُتذمِرّه دائمة الإعتِراض على القدَر ذات تفكير محدود ، ورؤية قاصِرة لم أرى من أمر الله إلا أنهُ ” رداة حظ ” مرٌت أيامي بـ بُطئ قاسي كانت الليالي تنهش في حلمي الوردي ، لم أعُد أفكر بلأمر ، أصبحت أردد خيرة.. خيرة.

شاء الله يومًا أن يقع بين يدي كِتاب ” استمتع بحياتك ” لمحمد العريفي لم يكُن التغيير الجذري بحياتي لكنّه كان أول خطوّة قرأتة وتبدلت أمور خفيّة في صدري ، استبشرت خيرًا في الغلاف كان يضع الشيخ رقمًا له ، تجرأت وأرسلت له عبارة شكر على كتابه وكيف أنهُ ملأني تفائل ورِضا.

ردّ بامتنان على شُكري وأنه كان هدفُه الأسمى أن يستفيد الناس مما كتَب لم أتردد بأن أشكو لهُ وضعي ولم يتردد – جزاهُ الله عني خيرًا – أن يُربّت بلُطف على نفسي المُطمئنة ويُذكرها بأن لها رب أكرم و أجوّد من أن يرُد عبدًا يسألُه .

هُنا فعلًا بدأت حياتي تُصبح حياة لم أتردد في رفع يديّ للسماء والناسُ نيام، لم أتردد في بكائي بين يديه ، كُنت جائعة لحُب الله والقُرب منه..

نعم.. هذا ماأردتُة منذ البداية ، فقط إحتجت لدفعة بسيطة ، لكلمة حانيّة تُخبرني ” أن الله يفرح بتقرُبي إليه ” امتلأت نفسي بحُب خالقها ، حتّى أنني نسيتُ همّي، لا ، لم يكُن همًا أبدًا علِمتُ أن المهموم ، من لم يعرِف الله أبدًا ومن لم يشعر بتلك الطمأنينه في قُربة علِمت أن المهموم ، من لم يبكي ويشكو لله يالله ، ماأغناك عنّا ، وما أحوجنا إليك.

طاب لي العيشُ ، أصبحتُ مِمن يقوم الليل أتلهفُ لذلك الوقت ، الذي أحمل فيه سجادتي ومُصحفي وأُصلي لله وأدعوه وأرجوه أن يغفِر لي ذنوبي ، وبُعدي عنه دعوتُه كثيرًا أن لايحرمني من هذة النعمّة ، نعمة الشكوى لله الشكــوى لله اشتكيتُ له من كُل شيء أحزنني ، من كل أمر أبكاني كُنت أتحدث إلى الله كُل ليلة ، وأخبرُه أني أحبه ، وأشتاق إليه كثيرًا في كُل ليلة أستودعه أحلامي وأمنياتي الصغيرة.

كُنت أعلم أنها في آمان بين يديه – سُبحانه – أدعوه وأعلم بأنه لن يخذُلني أبدًا ومرّت سنتان ، وأنا أعيش لله وبالله ومن أجل رِضا الله.

كان يقول أهلي والنّاس ” ادخلي معهد ، ادرسي دبلوم ، حرام يضيع عمرك بالبيت ” والله العظيم ، لم تعُد كلماتهُم تحُدث فارقًا في نفسي وكنت أُردد في نفسي ” إني أعلمُ من الله ما لا تعلمون ” أصبحتُ إنسانة مؤمنة ، أرى الحياة الآن بنظرة مُختلفة ، إيجابيّه أصبحت مُتفائلة ، وأعلم أن الله معي ولم يترُكني ولن يترُكني.

بعد انتهاء السنتان بدأ التسجيل من جديد ملأت بياناتي وأتممت عملية التسجيل وقُبلت في الجامعة في القسم الذي كنت أحلُم به لا ، لم أكن أحلُم به، كان شيئًا جميلًا بعيدًا عنّي ولكن الله كتبهُ لي.

تلك السنة التي قُبلت بها تبدّلت أنظمة وقوانين في حرم الجامعة وكانت كُلها لمصلحتي كطالبة كانت دفعتي هي أوّل دُفعة للنظام الجديد الذي سيُتبع في كل الجامعات تبدّل المنهج وأصبح مطورًا أكثر.

توسّعت مجالات العمل بعد التخرج – إن شاء الله – وكل من تم قبوله من اللواتي تخرّجن معي من الثانويّة العامة ولم يتبق لهُن سوى سنتان للتخرُج تقدّمن بطلب تحويل للنظام الجديد ، وبدأن الدراسة من جديد .

كل ذلك في نفس السنة التي بدأت أنا فيها ، يالله ، كُل هذا كان مُخبأ لي ، لا أستحق كُل هذا يا رّب الحمدلله ،الحمدلله أراد الله أن يجعلني أتقرّب إليه أراد أن يجعلني أؤمن بأن كُل شي ولو بدا في ظاهره سوء هو أمر جميل.

ليس لشيء سوى أنهُ من الله وقبل أن أُنهي كلماتي ، سأخبركُم بسر صغير لكل من يحملُ همًا ، وكل من يعيش ضائقًا وكل من يأس من أمر ما : لا تحزنوا يا أصدقاء .. فربكُم هو ” الله ” وسيُبدلكُم خيرًا مما ذهب منكُم ، سيُبدلكُم فرحًا وسعادة بقدر إيمانكُم به .

 

.

نمط حياة حديث

د. وليد الفتيحي

modern_life_work_home_play_sleep

بدأ يومه منزعجاً من صوت المنبه الذي عكر صفو نومه العميق، الذي ناله متأخراً بعد سهرة تليفزيونية شيقة امتدت لما بعد منتصف الليل، زاد من متعتها تناول وجبة سريعة دسمة مع مشروبه الغازي المعتاد. وفي إرادة وتصميم للتغلب على هذه البداية غير الهانئة ليوم جديد، تناول قدحاً أكبر من المعتاد من القهوة القوية!! أما وجبة الإفطار بصرف النظر عن مكوناتها، فإن أمرها لم يكن مطروحاً لعدم وجود وقت لها!
انطلق إلى عمله وهو يقاوم في معركته لبدء يوم جديد. تهب عليه رياح حداثة الحياة لينال قسطه اليومي من زحام السيارات وصخب أبواقها ودخان عوادمها لتنجح في إطلاق شرارة التوتر والوقوع في أسر الضغوط اليومية. وربما كانت بداية يوم عمله حواراً انفعالياً أو مشادة، ولتهدئة الموقف بحكمة يهرب لتدخين (سيجارة!!) تخرجه من حالة التوتر تلك.
حين يقترب الظهر يشعر بالجوع، ويكون خياره الأسهل والأسرع وجبة دسمة من مطعم الوجبات السريعة المجاور، لم يكن تصنيفها إفطاراً أو غداءً وإنما كانت بين ذلك سبيلاً.
مع جلوسه الطويل أمام شاشة الكمبيوتر طوال اليوم، ورنين هاتفه غير المنقطع، انتبه إلى أنه قد تأخر أكثر من ساعة عن موعد نهاية دوامه! ومع عودته منهكاً وغير قادر على عقد جلسة أسرية واستسلامه مستكيناً لبرامجه المفضلة على شاشة التليفزيون ينام .. لتكتمل تلك الدائرة التي يكون ضحيتها (صحته). هذه الدائرة التي أصبحت نمطاً لحياة الكثير منّا، وأصبح من الضروري علينا أن نكسرها لكي ننجو من آثارها المدمرّة.
لقد سادت الكثير من الأمراض وانتشرت في مجتمعاتنا لتصبح أشبه بالوباء، وسبب ذلك نمط الحياة الحديثة التي تفرض بمتغيراتها علينا ممارسات دخيلة على الإنسانية والفطرة السليمة.
فعلى سبيل المثال.. انتشرت مطاعم الوجبات القمامية و(هذه الترجمة الحرفية للمصطلح الإنجليزي Junk Food)، لتواكب عصر السرعة وتوفر النكهة القوية بصرف النظر عن قيمتها الغذائية. وتحتوي وجبات هذه المطاعم على كميات عالية من الدهون في حين أنها تفتقر للعناصر الغذائية، وهي بذلك تؤدي إلى الشبع دون تزويد الجسم بما يحتاجه من المجموعات الغذائية المختلفة.. كما تؤدي الى تراكم الدهون في الجسم وبالتالي زيادة الوزن مسببةً أمراضاً عديدة استشرت في مجتمعاتنا. فلا عجب أن تصل نسبة الإصابة بالسكري مثلاً في المملكة العربية السعودية إلى 25% بين البالغين، لتعد ضمن النسب الأعلى عالمياً. بل إن الدراسات تشير إلى أن هناك 47 مرضاً سببها الرئيسي السمنة، وأن حجم الإنفاق على علاج السمنة ومضاعفاتها في المملكة يصل سنوياً إلى 19 مليار ريال، ويموت سنوياً نحو 20.000 مواطن بسبب السمنة.
أليس من الأجدر أن ينفق هذا المبلغ في الوقاية من مرض السمنة؟ بل ولإنشاء أندية رياضية مثالية في كل حي برسوم رمزية لا تحول بين اشتراك أي شاب وشابة، وإنشاء جيل جديد قد أصبحت الرياضة جزءاً من طريقة حياتهم، وأن توضع ميزانية للترشيد والتثقيف والتوعية الصحية بأضرار السمنة وفوائد الرياضة والحركة.
ولو عدنا لكيف كان يعيش آباؤنا وأجدادنا.. لرأينا أنهم كانوا بالفطرة يتناولون طعاماً متوازناً يحتوي على المجموعات الغذائية الأربع: الحليب والأجبان، اللحوم، الخضار والفواكه، ومجموعة الخبز والحبوب. وكم من عوائلنا اليوم من لا تدخل الخضروات الخضراء والفواكه بيوتهم! ألم يحثّنا الخطاب القرآني على أكل الطيبات “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ”؟ لكننا تيممنا الخبيث من الطيب، وتركنا ما سماه الله (جنات) “وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ” لنختار ما عبثت به يد الإنسان وأفسدت به الميزان الذي ضمنته لنا الأرض وما يخرج منها “وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ”.
أما عن شوارعنا ومدننا، فقد برع الإنسان في إيجاد أساليب لتدمير بيئته، فتنوعت صور التلوث وتضاعفت مخاطرها على الصحة. وقد كشفت دراسة حديثة لمنظمة الصحة العالمية عن أن التلوث البيئي يعد السبب الرئيسي لثلث وفيات الأطفال دون سن الخامسة والبالغ عددها تسعة ملايين حالة على مستوى العالم سنوياً. وأرجع البيان 88% من حالات الوفاة لتلوث المياه وبيئة العيش!

modern_life_by_wk_omittchi-5E50-2BA1-F600

وأصبح الثلوث الضوضائي يحيط بنا من كل مكان، سواء في الشارع أو في الأماكن العامة، بل ودخل بيوتنا ممثلاً بالأجهزة الكهربائية التي لا نستطيع الحياة بدونها كالمكنسة الكهربائية والخلاط والغسالة ووحدات تكييف الهواء، ليصل إلينا ونحن نيام. بمعنى آخر فإن هذا النوع من التلوث البيئي أصبح يعد أخطر أنواع التلوثات البيئية بسبب انتشاره الواسع ومخاطره التي يجهلها الكثيرون.
وأضافت لنا أساليب الحياة المعاصرة تقنيات لم نعد نستطيع الحياة بدونها، فمن الإنترنت إلى التلفاز والهاتف المحمول. ووفقاً لإحصائيات اليونيسكو يقضي الطالب العربي بسن الثامنة عشرة 22 ألف ساعة أمام التلفاز مقارنة بـ14 ألف ساعة في قاعات الدروس، وفي دراسة حديثة لشركة “Booz and Co.” مع شركة الإنترنت “Google” عن استخدام الإنترنت والهواتف الذكية في تسع دول عربية، كان من نتائجها أن 40% من الشباب يستخدمون الإنترنت على الأقل خمس ساعات يومياً، بل إن 80% من الشباب يكون أول عمل يقومون به عند قيامهم من النوم هو تفقد هواتفهم الذكية وهؤلاء يعتبرون فقدان هواتفهم من المصائب الكبرى التي قد تحل عليهم.
لقد تركنا القراءة التي هي أحد فروض ديننا ووقعنا في أسر كل ما هو جديد بحسناته ومضاره، وبصرف النظر عن ترشيد استخدامه. ففي تقرير التنمية الثقافية الذي تصدره مؤسسة الفكر العربي في دورته العاشرة، بين أن متوسط قراءة الفرد الأوروبي يبلغ حوالى 200 ساعة سنوياً، بينما للفرد العربي لا يتعدى ست دقائق سنوياً وهو في تناقص، وهذه نسبة مخيفة بل وكارثية.
إن من أبرز صفات المنهج الرباني صفة التوازن والوسطية، وهي صفة فطرية تحقق سلامة السلوك البشري وسعادة الإنسان وأمنه الاجتماعي والاقتصادي والبيئي والصحي. والمنهج الإسلامي حرص على تحقيق التوازن هذا في كل جانب من جوانب حياة الانسان.. متوجاً هذا النهج الفطري الراشد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن لبدنك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لربك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه”، فلا بد من توازن بين إشباعات العقل والروح والبدن.
وضمن تجربة رائدة نرجو أن تضع يديها على خطة علاجية تساهم في مواجهة طوفان أنماط الحياة الحديثة، سيعقد مؤتمر متخصص فريد من نوعه يناقش (تأثير أنماط الحياة الحديثة على الصحة) بحضور علماء عالميين في شهر مارس المقبل، نأمل أن يؤتي ثماره لنجدها واقعاً ينعكس على صحة الإنسان (الخليفة) الذي ائتمنه الله على عمارة الأرض، فما أحوجنا لمثل هذه المؤتمرات التي تناقش مشاكل حياتنا اليومية بدلاً من النظريات.
وللمزيد لمن أراد من القراء الاطلاع على التفاصيل ومتابعة مستجدات المؤتمر:
www.healthandmodernization.com